
ناصر العبدلي
لم يبتعد الفيلسوف الألماني كارل ماركس كثيرا عن الواقع عندما قال أن “التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمهزلة، وفي المرة الثانية كمأساة”، ولا أعرف أيضا لماذا قفزت هذه المقولة أمامي عندما رأيت الواقع “المزرى” الذي تعيشه النخب العربية “المثقفة” وخاصة في مصر والسعودية “إذا جاز تسميتها”، باعتبارهما أكبر بلدين عربيين وينتظر منهما البقية الكثير.
ليس هناك مبالغة عند القول أن الحالتين تمثلان حالة نموذجية واحدة لما يمكن تسميته “الانفصال التام عن الواقع”، فهما نخبتين تعيشان بكليتيهما في الماضي، حتى وأن استنسختا في مرات كثيرة الشعارات التي طُرحت في بدايات القرن العشرين ، وحتى أيضا رغم محاولتهما إدعاء إمتلاك الأدوات الفكرية أو العلمية لفهم تعقيدات القرن الحادي والعشرين .
في مصر هناك حالة “نوستالجيا” حادة من خلال ترديد مقولات خاوية مثل “مصر حضارة 7000 عام ، وفي بعض المرات أحنا مش عرب ، أو مصر القوة الناعمة، وهوليود الشرق ، وبلد طه حسين والعقاد ” ، لكن عند التفتيش في الحاضر نفاجئ بفراغ مرعب على كل الأصعدة ، ( سياسة ، إقتصاد ، ثقافة ) ، فالسينما كمثال على تلك الحالة تحولت إلى مقاولات تجارية هابطة ، والأدب بات محاصرًا بالشللية والجوائز الحكومية ، والنقد الفكري جفّت ينابيعه ليكون البديل الصراخ الإيديولوجي بين يمين ويسار أفلست أدبياتهما منذ عقود ، فيما توهمت النخبة السعودية في الضفة الأخرى أن استضافة المعارض واستقطاب الأسماء العالمية يرجح كفتها الحضارية ، متجاوزة أن الثقافة الحقيقية هي تراكم نقد وفلسفة وفكر مستمر، وليست مجرد مشاهد مسرحية برّاقة ، أومشهد متواضع ، حتى تحولت الثقافة في الخطاب السعودي السائد إلى مجرد “صناعة ترفيهية ” و”مهرجانات استعراضية” تُقاس مخرجاتها بعدد الحضور وتتصدر منصات التواصل .
للأسف أن النخبة في السعودية باتت تمارس دور ” التصفيق بحماس ” لكل مايُطرح دون القدرة على ممارسة أي نقد اجتماعي أو فكري لمآلات هذه التحولات المتسارعة ، حتى تحولت إلى ” تكنوقراط ثقافي ” أو “علاقات عامة “، مهمتها تزيين المبادرات دون التثبت من عمقها المعرفي ، ودون أن تضع في حسبانها أنه عندما تغيب الوظيفة النقدية للمثقف ، تتحول الثقافة إلى قشور ومظاهر سرعان ما تتبخر عند أول تحدي حضاري.
عند وضع النخبتين أمام مرآة الواقع ، نكتشف أنهما وجهان لعملة واحدة من أزمات العقل العربي ، فهما عاجزتين تماما في مواجهة العصر الرقمي ، فأحداهما ترفض التكنولوجيا وتراها تهديدًا لـ “عصرها الذهبي”، والأخرى تستهلك التكنولوجيا كأداة للدعاية والديكور دون فهم فلسفتها وآثارها على الهوية والوعي ، كما أنهما عاجزتين عن المساهمة في إنتاج مشروع عربي قادر على مقارعة الاختراقات الثقافية سواء أكانت غربية أو شرقية ، لأن كلاهما يدار بتصورات وظيفية ، في الواقع المصري مقيدة بقلة الموارد ومصيدة البيروقراطية ، وفي السعودية مستجيبة لطلبات السوق والفعاليات الموسمية ، في حين أن الأمر يحتاج من النخبتين إعادة النظر في واقعهما.
كاتب كويتي
.jpg)

