قمة موسكو _ حين تبحث الإمبراطوريات عن قارة جائعة !!

سبت, 10/31/2026 - 11:11

ما انتهى أمس في قصر الكرملين لم يكن مهرجان صداقة كما روجت نشرات الأخبار الروسية، ولا شراكة استراتيجية للتنمية كما جاء في بيان الاتحاد الأفريقي. ما انتهى كان مشهداً صريحاً لإعادة توزيع النفوذ في العالم بعد أن ضاقت أسواقه القديمة.

منذ عام 2022 والعقوبات الغربية تدفع الاقتصاد الروسي إلى البحث عن مخرج. الغاز الذي كان يذهب إلى برلين، والقمح الذي كان يمر عبر البحر الأسود، والسلاح الذي كان يباع في معارض أوروبا، كل ذلك وجد أبوابه مغلقة. دولة تملك فائضاً ضخماً من السلاح والقمح والوقود ولا تجد من يشتريه، لا بد أن تبحث عن سوق جديدة، حتى لو كانت هذه السوق هي أفقر قارات الأرض.

أفريقيا هنا لا تحضر كشريك، بل كفرصة. لهذا جاءت الدعوة لثمانٍ وأربعين دولة، حضر منها اثنان وعشرون رئيساً إلى موسكو في 28 أكتوبر. الرقم يبدو كبيراً، لكن حجم التبادل التجاري الحقيقي بين روسيا وأفريقيا كلها لا يتجاوز ثمانية عشر مليار دولار، أي أقل من تجارة تركيا وحدها مع القارة. السؤال إذن ليس كم تبيع روسيا، بل ماذا تبيع وكيف تبيعه.

روسيا تبيع ثلاثة أشياء لا تحتاج إلى استثمار ضخم:

أولها السلاح. بندقية كلاشينكوف، طائرة مسيرة، ومرتزق سابق في فاغنر أصبح اليوم يسمى أفريكا كوربس. هذا النوع من التجارة هو الأرخص والأسرع. تعطي للجنرال الذي وصل بانقلاب في باماكو أو نيامي سلاحاً يحمي به قصره، فيعطيك في المقابل امتياز منجم ذهب أو يورانيوم لعشرين عاماً.

ثانيها القمح. روسيا هي أكبر مصدر للقمح في العالم، وبعد انسحابها من اتفاقية تصدير الحبوب، حولت القمح إلى ورقة سياسية. تقدم شحنات مجانية لمالي وبوركينا فاسو، ليس لأنها تحب الجائعين هناك، بل لأنها تريد أن تقول لهم: انظروا، الغرب هو من يجوعكم ونحن من نطعمكم.

ثالثها الخطاب. روسيا لا تقدم ديمقراطية ولا حقوق إنسان ولا شفافية مالية، وهذا بالضبط ما يجعلها جذابة لأنظمة عسكرية جديدة. الغرب يقول لها عليكم بالإصلاح، وروسيا تقول لها لا شروط، خذوا السلاح واحموا سلطتكم.

في المقابل، ماذا تشتري روسيا من أفريقيا؟ تشتري أيضاً ثلاثة أشياء:

تشتري الذهب واليورانيوم، فأكثر من ثمانين بالمئة من ذهب مالي وجزء كبير من يورانيوم النيجر يدار الآن عبر شركات مرتبطة بالكرملين. وتشتري الأصوات. أفريقيا تملك أربعة وخمسين صوتاً في الأمم المتحدة، وكل صوت هو ورقة ضد العزلة التي فرضها الغرب على موسكو بسبب حرب أوكرانيا. وتشتري الرجال، فهناك آلاف الشباب الأفارقة يتم تجنيدهم الآن كمرتزقة للقتال في جبهات أوكرانيا مقابل ألفي دولار في الشهر، وهو مبلغ لا تحلم به حتى جيوش بلدانهم.

هنا يجب أن نسأل من هم الرؤساء الحاضرون في موسكو؟ هل هم ممثلون للمزارعين الذين يزرعون الكاكاو في غانا، أو العمال الذين يستخرجون الكوبالت في الكونغو؟ بالطبع لا. أغلبهم يمثلون طبقة حاكمة تكونت بعد فشل مشروع الاستقلال. هذه الطبقة حاولت في الستينات أن تبني رأسمالية وطنية مستقلة ففشلت، ثم حاولت في التسعينات أن تطبق الخصخصة الليبرالية فأغرقت بلدانها في الديون، واليوم وجدت نفسها بلا مشروع اقتصادي وبلا شرعية انتخابية. فما الحل؟ أن تبحث عن حليف خارجي جديد لا يسأل عن الانتخابات ولا عن الفساد. فرنسا كانت تسأل، حتى لو كان سؤالها كاذباً، أما روسيا فلا تسأل.

لهذا السبب يلتقي جنرال من الساحل جاء بانقلاب مع رئيس روسي يحاصر من الغرب، كلاهما يحتاج الآخر. الأول يحتاج بندقية تحميه من شعبه، والثاني يحتاج منجماً يعوضه عن سوق خسرها في أوروبا. التحالف هنا ليس أيديولوجيا، بل مصلحة عارية.

الخطر في هذه القمة أنها تقدم نفسها كنهاية للاستعمار القديم. روسيا تقول نحن ضد الاستعمار الجديد ونريد عالماً متعدد الأقطاب. هذه الجملة تجد صدى واسعاً عند شباب أفريقي غاضب من فرنسا ومن صندوق النقد الدولي. لكن الحقيقة أن ما يحدث هو استعمار جديد بلون آخر. في السابق كان المستعمر يأتي بالصليب والإنجيل والشركة التجارية، اليوم يأتي بالمسيرة وخطاب عن السيادة. الجوهر لم يتغير. فائض القيمة الذي ينتجه عامل منجم الذهب في مالي لا يبقى في مالي، بل يذهب إلى شركة في موسكو أو دبي أو باريس. والفلاح الذي يزرع القمح في روسيا لا يطعم ابنه، بل يطعم جندياً في النيجر يحرس منجماً.

التحرر الحقيقي لأفريقيا لن يأتي من قصر الكرملين ولا من قصر الإليزيه. سيأتي فقط عندما يقرر الذين ينتجون الذهب واليورانيوم والكاكاو أنهم هم من يجب أن يملكوا ثمنه. وحتى ذلك اليوم، ستبقى كل قمة في موسكو أو واشنطن أو بكين مجرد سوق كبير يعرض فيه حكام القارة ثروات شعوبهم لمن يدفع أكثر، أو لمن يحميهم أكثر من غضب شعوبهم.
ادوارد كولينيو _ كاتب سوداني