الإقتصاد العالمي بين الفائدة والتضخم.. فمن يصنع الأزمة ومن يدفع الثمن؟بسام روبين

سبت, 11/01/2025 - 20:01

لم يعد التضخم أزمة إقتصادية فحسب، بل أصبح أداة من أدوات الهيمنة السياسية التي تمارسها القوى الكبرى ضد الشعوب والدول الصاعدة ، فكل أزمة مالية أو نقدية يشهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة تكشف أن التحكم في المال هو الوجه الجديد للإستعمار، وأن الفائدة ليست مجرد أداة إقتصادية ، بل سلاح يدار بعناية في غرف القرار الغربية ،
وقد رفع الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة تحت ذريعة مكافحة التضخم ، لكنه في الحقيقة أعاد تثبيت هيمنة الدولار ، وجعل الإقتصادات النامية تنزف أمام أعين العالم ، فكل نقطة فائدة جديدة تعني مزيدا من الديون ، ومزيدا من العجز والفقر في آسيا وإفريقيا والعالم العربي ، بينما تزداد أرباح البنوك الأمريكية وشركات الطاقة والمال .
وما يجري اليوم من قرارات لبعض الحكومات ليس صدفة ، بل هو إعادة رسم للنظام الإقتصادي العالمي على أسس تخدم مراكز القوى القديمة وتمترسها خلف السياسات الأمريكية متجاهلة ما سيحل بإقتصاداتها وشعوبها من ويلات ، فالغرب مثلا يريد أن يبقي الآخرين في حالة تبعية مالية دائمة ، لا يستطيعون الإستقلال بقرارهم الإقتصادي ، ولا يملكون حرية توجيه مواردهم ، وحتى أوروبا نفسها، التي كانت شريكا في القرار ، باتت اليوم تدفع الثمن نتيجة إنصياعها لسياسات واشنطن التي أضعفت اليورو ، ورفعت كلفة الطاقة ، وأدخلت الإقتصاد الأوروبي في حالة ركود هي الأخطر منذ عقود ،
وفي المقابل ، بدأت قوى جديدة تفهم اللعبة ، فروسيا والصين والهند وغيرها من دول البريكس تتجه إلى فك الإرتباط بالدولار وبناء نظام مالي موازي ، قوامه التجارة بالعملات الوطنية والذهب ، وهذه الخطوة ليست إقتصادية فقط ، بل سياسية بإمتياز ، لأنها تضرب قلب النفوذ الأمريكي القائم على تحكمه بالنظام المالي العالمي ،
بعد أن فشلت سياسات الفائدة المرتفعة في معالجة التضخم وعمقته، وأدخلت العالم في حلقة مفرغة من الركود والتقشف ، فيما تتزايد معاناة الشعوب ، فهل يعقل أن ترفع أسعار الفائدة بحجة السيطرة على الأسعار ، بينما ترتفع معها كلفة القروض والسلع والإنتاج؟ إنها مفارقة لا يمكن تفسيرها إلا بأنها سياسة مقصودة لنهب الموارد وإعادة توزيع الثروة لصالح الأقلية الحاكمة عالميا وأكثر المتضررين هم الشعوب العربية التي تنساق حكوماتها خلف السياسة الأمريكية دون النظر الى ما سيحل بإقتصاداتها من أزمات جديدة ويصب في عدم إستقرار قوانين الإستثمار وبالتالي فشله ،
لذلك يقف العالم اليوم أمام مفترق طرق فإما أن يستمر في الخضوع لهيمنة المال الأمريكي ويتخذ قرارات ضد مصالح إقتصاده الوطني إرضاءا للهيمنة الأمريكية، وإما أن يتجه نحو نظام إقتصادي عادل يضع الموارد في خدمة الشعوب لا في خدمة البنوك ، فالخطر القادم ليس فقط ركودا إقتصاديا، بل إنهيارا أخلاقيا للنظام الرأسمالي الذي فقد توازنه وعدالته ،
وعلى بعض الدول العربية أن تعي هذا التحول الخطير ، وأن تبادر إلى بناء تحالفات إقتصادية جديدة تقوم على المصالح المشتركة والموارد الحقيقية لا على الوعود الورقية ، لأن من ينتظر رحمة الفائدة الأمريكية ويتعمد معاداة الصين سيجد نفسه في فخ لا خروج منه إلا بثمن باهظ ، وستتركه أمريكا يغرق دون نجده ، فهي عاجزة عن إنقاذ نفسها وتوظف الآخرين لمحاولة دعم إقتصادها والإضرار بالإقتصاد الصيني الذي بدأ يتقدم بخطوات واثقة ، فإلى متى ستظل أمريكا تصنع الأزمات وبعض الحكومات العربية تدفع الثمن ؟
عميد اردني متقاعد