بين يدي الحوار !! د. محمد إسحاق الكنتي

خميس, 04/03/2025 - 15:41

كانت ديمقراطية لابول فخا نصب للنخب الإفريقية والأنظمة الوطنية التي أغلقت الفضاء السياسي للتفرغ للتنمية مقتدية في ذلك بالنخب الوطنية الآسيوية، وفي آمريكا اللاتينية، حيث تطورت أنظمة الحكم بشكل طبيعي إلى أن وصلت إلى النظام الديمقراطي التمثيلي. تلك المرحلة التي تتطلب قدرا من النمو الإقتصادي يسمح بظهور طبقة وسطى عريضة تمارس السلطة، وتنهض بدور المنظم للحياة الإقتصادية بطرق رشيدة تمكن من تقليص الفقر والهشاشة، واطراد النمو الإقتصادي بشكل لا يوسع الهوة بين الفقراء، شديدي الفقر، والأغنياء فاحشي الثراء.
استطاعت النمور الآسيوية، وبعض دول أمريكا اللاتينية، في ظل أنظمة وطنية (=دكتاتورية بالمفهوم الغربي)أن تحقق نهضة إقتصادية حررتها، إلى حد ما من هيمنة الإقتصادات الغربية بشركاتها العابرة للحدود. لقد كان ذلك بالنسبة لنظام بريتن وودز ناقوس خطر، خاصة بالنسبة لاقتصاد هش مثل الاقتصاد الفرنسي القائم على نهب موارد البلدان الفرانكوفونية، والتحكم في نظامها المصرفي عن طريق الافرنك الإفريقي.
سارعت فرنسا إلى فرض ديمقراطية لابول في بيئات إفريقية كان فضاؤها السياسي مضبوطا بأنظمة وطنية تواجه الانقسامات القبلية والعرقية بصهرها في نظام سياسي يحقق حدا أدنى من الوحدة الوطنية. هذه الوحدة الوطنية هي التي استهدفتها ديمقراطية لابول عن طريق آليات تنفيذها؛ اللجان الإنتخابية المستقلة، المؤتمرات الوطنية، والتعدد الحزبي، والنقابي. انشغلت النخبة بالسياسة فانفرط عقد المجتمع بكثرة الطموحات، وتعدد الصراعات. فلم تعد التنمية الاقتصادية أولوية، وإنما الأولوية لتنظيم الانتخابات وتزويرها، وتشكيل حكومات وبرلمانات المحاصصة. كانت الدول الإفريقية السائرة في طريق النمو أولى الضحايا؛ فغرقت ساحل العاج، والزائير في حروب أهلية من أجل ديمقراطية كان وقودها رفاه المواطن وأمنه!!! وصل عدد الأحزاب والنقابات إلى المئات، وتجاوزت منظمات المجتمع المدني الآلاف، وتقلصت الطبقة الوسطى، وتضخمت الطبقات الفقيرة والهشة، وانتشر الفساد بين ثلة تحتكر السلطة والثروة، ولم يحدث التناوب السلمي على السلطة إلا نادرا!!!
أنتج هذا الوضع الديمقراطي المأساوي حروبا أهلية في منطقة الساحل حولنا. عادت الأنظمة الوطنية " الإستثنائية"، ما قبل لابول، عن طريق انقلابات وضعت حدا لعقود من عدم الاستقرار السياسي والفشل الإقتصادي. ظهرت البدلة العسكرية من جديد، دون خجل ولا وجل، على أنقاض أنظمة لابول الديمقراطية التي عجزت عن تحقيق وعود ميتران الزائفة؛ استقرار سياسي، وتنمية اقتصادية. لم تختلف لابول عندنا عنها عند غيرنا…
كان ولد الطايع ضابطا وطنيا، تمنع في قبول ديمقراطية لابول. غير أن حاشيته حذرته من أن فرنسا، التي جاءت به ستتخلص منه إذا لم يخضع لإملاءاتها… ومن تاريخه بدأ تاريخ الفساد الإداري والمالي. غرقنا في دوامة الحملات الانتخابية، والصراعات السياسية. استثمرنا في الأصوات، وانشغلنا بالتعديلات، فسخر الإقتصاد للسياسة. تناسلت الأحزاب الجهوية والعائلية؛ فدخل الرجل وزوجه البرلمان، والأخ وشقيقه…
من منا لم يشعر بالمرارة حين تأسف فخامة الرئيس في نواذيبو على أننا ما زلنا نناقش مشاكل الماء والكهرباء في عاصمتنا الإقتصادية ( كان الانزعاج ظاهرا على وجهه؛ فالصادقون تظهر مشاعرهم على وجوههم)!!!
اليوم نستعد لإطلاق حوار سياسي بعد الإعلان عن خطوات جبارة على طريق التنمية، وتعزيز البنى التحتية، من خلال مشروع تنمية انواكشوط، ومشروع تنمية ولايات الداخل. مئات المليارات، وآجال محددة… لكن التحدي الأكبر هو جودة التنفيذ، والإلتزام بالآجال، وهو تحد لا نملك فيه تجربة مشجعة. ذلك أن الروح الوطني؛ الضامن الوحيد لجودة التنفيذ، والوفاء بالآجال، ليس من الخصال التي يتنافس فيها الكثير من المشتغلين بالشأن العام. يستوي في ذلك السياسيون والمقاولون. ولعل وضعية تنفيذ المشاريع الكبرى التي أعلن عنها في مجلس الوزراء، رغم التقدم الطفيف، تكفي دليلا على ذلك.
إن واجبنا الوطني اليوم يفرض علينا إبداع ديمقراطية تقطع مع لابول، فتقدم التنمية الإقتصادية على الممحاكات السياسية، والمزايدات، والمحاصصات.
فبلد لم يحقق بعد تغطية كاملة لمدنه وقراه بالماء والكهرباء، ولا يزال العديد من أطفاله خارج النظام المدرسي، والصحي حري به أن تكون الخدمات، والنمو الإقتصادي على رأس أولوياته، ولو تطلب ذلك غلق الفضاء السياسي على طريقة شي جئي بينغ، وبوتن، وكاغامي لصالح القضاء على الفقر والهشاشة، وتأمين العيش الكريم لمواطنين لا يطلبون في الحقيقة غير ذلك…