
لطالما كان التمثيل الدرامي التلفزيوني أداة فاعلة في تشكيل الوعي المجتمعي، ووسيلة تعكس نبض الحياة بكل تجلياتها، من قضايا إنسانية واجتماعية إلى صراعات فكرية وحضارية. وقد عرفت الدراما عبر تاريخها لحظات ازدهار جعلتها منبرًا ثقافيًا مؤثرًا، قادرًا على إيصال رسائل تتجاوز حدود الترفيه لتلامس عمق الإنسان في معاناته وتطلعاته. لكن، في ظل التحولات الراهنة، أضحى المشهد الدرامي يشهد تحديات خطيرة تهدد جوهره، حيث طغى الاستهلاك على الإبداع، وغابت المضامين العميقة لصالح أعمال تفتقر إلى الحد الأدنى من القيم الفنية والفكرية.
إن قراءة متأنية لبعض الإنتاجات التي تغزو الشاشات تكشف عن ظواهر باتت تستوجب مساءلة نقدية جادة، من بينها:
1. التميع والتكلف المفرط في الأداء: حيث تتوارى العفوية والصدق خلف مبالغات أدائية لا تخدم النص ولا تخدم المتلقي، مما يُفقد العمل الفني تأثيره الحقيقي.
2. الاستهداف السطحي للمشاهد: حيث يُقدَّم المحتوى بمنطق الإثارة الرخيصة، بدل أن يكون عملًا يُخاطب العقل والوجدان، ويسهم في إثراء الثقافة العامة.
3. ضعف النصوص وسطحية المضامين: مما يعكس غياب الاجتهاد في بناء حبكات درامية متماسكة، واستسهال الطرح على حساب العمق الإبداعي الذي تحتاجه الدراما الجادة.
4. انحراف الدراما عن دورها التنويري إلى مجرد سلعة ترويجية: حيث يتم إنتاج بعض الأعمال وفق مقاييس تجارية بحتة، تُراعي السوق أكثر مما تُراعي الجودة الفنية.
5. تهميش الأعمال الدرامية الجادة: والمفارقة الأشدّ مرارة أن هناك أعمالًا تمتلك بنية درامية محكمة، ونصوصًا غنية بالرسائل العميقة، لكنها لا تحظى بالتمويل أو الدعم المطلوب، لأنها لا تساير موجة التسطيح التي باتت تتحكم في المشهد الدرامي. وهكذا، تُمنح الأولوية لمشاريع هشة، بينما يتم إقصاء الإبداعات التي تحمل رؤية ورسالة.
إن الدراما التلفزيونية ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي قوة ثقافية قادرة على إعادة تشكيل الوعي المجتمعي، وهذا ما يجعل النخبة، سواء من المبدعين أو صناع القرار الثقافي، أمام مسؤولية تاريخية في إعادة الاعتبار لهذا الفن، وإنقاذه من منزلقات التسطيح والابتذال.
إنها لحظة تستوجب إعادة النظر في أولويات الإنتاج الدرامي، والرهان على الأعمال التي تستحق أن تبقى في ذاكرة المشاهد، لا تلك التي تنتهي صلاحيتها بانتهاء عرضها. فالفن الذي لا يترك أثرًا، يظل مجرد صورة عابرة، فيما الدراما الحقيقية هي التي تخلد في الوجدان، وتحمل قيمتها عبر الأجيال.
عبد الله محمد سعيد
نقيب المهن التمثيلية في موريتانيا