
في مشهد يتكرر بوتيرة متزايدة، نشهد وداعًا عاطفيًا لمسؤول انتقل من مقاطعة إلى أخرى، مشاهد تُوثَّق بتسجيلات مصورة تعج بالبكاء والنحيب، وكأن الوطن فقد أحد أعمدته، لا مجرد موظف في دورة إدارية طبيعية. هذه الظاهرة، التي قد تبدو في ظاهرها تعبيرًا عن الامتنان، تطرح إشكاليات أعمق تتجاوز الأشخاص إلى البنية المجتمعية والإدارية برمتها.
بين العاطفة والوظيفة: أين الخلل؟
الإدارة، في جوهرها، تقوم على الكفاءة والتدوير الطبيعي للموارد البشرية، لا على الشخصنة والمبالغة العاطفية. لكن يبدو أن المشهد الإداري في بعض المجتمعات قد انزلق إلى منطق الولاء الشخصي بدلاً من المؤسسية، حيث يُنظر إلى المسؤول كمنقذ، لا كجزء من منظومة متكاملة. هل يعكس هذا التفاعل خوفًا دفينًا من القادم؟ أم هو مجرد امتداد لسلوكيات اجتماعية قائمة على المجاملة والمبالغة؟
بين بغداد ونواكشوط: الخوف من المجهول
يروي التاريخ أن أهل بغداد كانوا يترحمون على الحجاج بن يوسف رغم قسوته، لأنه كلما جاءهم والٍ جديد كان أشد بطشًا. فهل نحن أمام عقلية مشابهة، حيث كل تغيير يُستقبل بالحذر، لا بالأمل في الأفضل؟ أم أن التوديع العاطفي للمسؤولين يعكس انعدام الثقة في استمرارية الإنجازات، مما يدفع الناس إلى التمسك بمن عرفوه خشية القادم المجهول؟
التملق أم التقدير؟
من الصعب الجزم بنوايا الجميع، فبعض هؤلاء المسؤولين ربما يستحقون .التقدير، لكن حين يصبح المشهد متكررًا إلى حد الابتذال، يفقد مصداقيته.
وهنا يبرز السؤال: هل تحوّلت هذه المبالغات إلى أداة لكسب الحظوة لدى المسؤولين المغادرين، على أمل توصية أو امتياز مستقبلي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن التمييز بين التقدير الحقيقي والمبالغة المدفوعة بالمصلحة؟
نحو ثقافة إدارية رشيدة
الإدارة الرشيدة لا تُبنى على العواطف، بل على تقييم الأداء، حيث يكون التكريم مستحقًا، والمحاسبة ضرورية. أما إذا استمرت هذه العروض الدرامية، فإننا أمام أزمة وعي مجتمعي، لا مجرد ظاهرة عابرة. تكريم المسؤول يجب أن يكون بتقدير إنجازاته لا بذرف الدموع عليه، واستقبال الخلف لا ينبغي أن يكون بالخوف، بل بتقييم ما سيقدمه.
في النهاية، إن أردنا بناء مؤسسات قوية، فعلينا أن ننتقل من عقلية الولاء للأشخاص إلى الولاء للمؤسسة، ومن تقديس المسؤولين إلى محاسبتهم، ومن الانفعال العاطفي إلى التقييم الموضوعي، حيث يكون النجاح مقياسًا للتقدير، لا المنصب أو العلاقات الشخصية.
عبد الله محمد سعيد