
يقول المثل: "ألّي ماه امداز اعبار".. ينطبق ذلك غالبا على كل من "ينتقد" ما كان، وفي ذهنه فقط ما ينبغي أن يكون، بغض النظر عن الواقع بضروراته وإكراهاته. وبتجاهل ما يضيفه المنجز، على تواضعه في نظر الناقد، على الحالة التي كانت سائدة. فإذا كانت خدمات الكهرباء مثلا لا تغطي حاجات المواطنين إلا في حدود ستين في المائة، فإن الوضع المثالي هو تغطية تلك الاحتياجات مائة في المائة. وهو هدف لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، وينبغي تثمين كل خطوة تقرب إليه، ولو كانت تحسين الخدمة لتبلغ خمسة وستين في المائة؛ لأن الدوام على التقدم كفيل بالوصول إلى الهدف: "يمشي بشور ألي فخلاك يجري"...
في نقاش البرلمان الوطني لخطة الحكومة تم تجاوز إشكال المصداقية؛ فقد تعودنا على مسلمة مفادها: "كلام الحكومة ماه حك، وكلام المعارضة ما يصنتلُ." فقد ظهر أن هذه الحكومة تلتزم بكلمتها، وأنها تصغي لكلام المعارضة. ولم يعد كلام الحكومة مجرد أرقام صماء؛ أنفقنا كذا مليارا، وسننفق أضعاف ذلك في الميزانية الجديدة. كان سحر الأرقام، أو سرها، مسيطرا علينا، إذ قيل لنا إنها "ما اتنكس"، لنكتشف أنها "ماه مسادبَ".
منذ أربعة أشهر فقط حدد الوزير الأول آجالا لانتهاء الأشغال في مشاريع متعثرة لمدد متفاوتة فتهامس بعضنا "ألي لاه يكذب إبعد شهوده"، وانتظرنا على أحر من الجمر مثوله أمام البرلمان من جديد لنسمع تبريراته لعدم الوفاء بعهوده ليفاجئنا بإنهاء الأشغال في أحد عشر مشروعا من أصل ثلاثة عشر. تخلُّف مشروعين عن الموعد الذي حدده الوزير الأول دليل على حصافة توقعاته، إذ لو اكتملت 13 مشروعا في نفس الوقت لكان في الأمر "إن" لا تبشر بخير...
تميز برنامج الحكومة بالتفاصيل الملزمة بالوفاء بها، أو فقد المصداقية. فالعموميات تسمح بالمناورة، ولم نكن غالبا نميز بين برنامج حكومي رصدت له ميزانية لتنفيذه خلال سنة مالية معلومة البداية والنهاية، وبرنامج سياسي تستجلب به الأصوات، وغير ملزم لأحد غالبا. فحين يحدد الوزير الأول الفرق بين المشاريع قيد التنفيذ، والمشاريع التي ستنطلق في وقت معين، وتلك التي أطلقت دراساتها، وتلك التي اكتملت دراساتها ويبحث لها عن تمويل... فإن هذه التفاصيل تعطي للمواطن تصورا واضحا يمكن أن يبني عليه توقعاته. غير أن كل ذلك يظل في مهب إعصار فيه نار ما دام الفساد قيمة اجتماعية ورياضة وطنية.
كانت الأمهات تعللن أطفالهن بهذه الحكاية للخلود إلى النوم: << كَال هذا وهاون نصيرك! كال هذا خايفين. كال هذا امناش؟ كال هذا امن الله. كال هذا وهاونّ!>>
تدل كل إشارة "هذا" على أحد أصابع اليد الخمسة؛ بدءً بالخنصر وانتهاءً بالإبهام. غير أن اللافت أن الحكاية التي يراد منها تسلية الطفل، وتحضيره للنوم، تحكي عن جمعية أشرار تمارس السرقة!
يأتي الاقتراح من الخنصر: << وهاون نصيرك!>> تستعمل صيغة التصغير للدلال، أو للتحقير، لكنها في هذه الصياغة استخدمت لتناسب أعمار جمعية الأشرار، وربما لتخفيف الشعور بالاستهجان المصاحب لفعل السرقة. فهم لا يخططون لسرقة، وإنما ل"اصريكه" تناسب أعمارهم، ولا تستدعي إدانة أخلاقية. يظهر الحوار جانبا من جوانب شخصية كل واحد من الأشرار الصغار. الخنصر هو صاحب المبادرة، يعترض البنصر على الفكرة: "خايفين"، ليتساءل الوسطى: "امناش؟"، فيتلقى الجواب من السبابة: "الله". ويحسم الإبهام النقاش: "وهاون…"
لحكايات الشعوب، وأساطيرها، وأمثالها دلالات عميقة على ثقافتها وقيمها التي تتوارثها الأجيال. كما أن لها رمزيتها، وإيحاءاتها العميقة التي تخضع لتناسق داخلي ينبغي اكتشافه لتفكيك الدلالة الرمزية التعليمية غالبا. لكن البعد التعليمي يغيب عن حكايتنا، حين يتعلق الأمر بموضوعها.
يقدم الحوار نماذج اجتماعية متباينة؛ شخص مبادر يطرح فكرة يدور حولها نقاش يبدأ بالاعتراض عليها: "خايفين." فهذا نموذج لشخص سلبي، لا يناقش الفكرة، وإنما يعترض عليها باستدعاء فكرة أخرى تحول دون تنفيذها، وتصبح هي موضع النقاش: "امناش؟" تساؤل الوسطى حمال أوجه؛ فقد يكون استنكارا، وقد يكون استفسارا. يأتي جواب السبابة ليجيب على الصيغتين: "امن الله". قد يبدو جواب السبابة غريبا من طفل صغير ليست له مخاوف إلا من الله! فربما كان مناسبا أن يقول: من أهلنا، أو من الذين سنسرق منهم، أو من المفترسات، أو من الغول. لكن الصعود إلى الله مباشرة يعني أن ميكانيزمات المجتمع القيمية ليس فيها رادع عن السرقة. ما يعني أن البنية الاجتماعية، والقيم المتوارثة مطبعة مع الفساد. غير أن الفرد يمكنه أن يردع نفسه بخشية الله. والدليل على أن ذلك الرادع شأن فردي، قول الإبهام: "وهاون".
يمثل جواب الإبهام إغلاقا للنقاش، بحسمه لصالح تنفيذ فكرة السرقة؛ فقد تجاوز مخاوف البنصر، وتساؤل الوسطى، ولم يردعه إيمان السبابة... يطرح هنا تساؤل عن تساوق المعرفة والسلوك في هذا المجتمع؛ فقد عرفت الجماعة أنه ينبغي ترك السرقة مخافة الله، لكنها لم ترتدع. يستدعي هذا السلوك تساؤلا آخر عن موقف هذا الطفل من السرقة حين يصبح رجلا؟
لعل في "تطبيع" المجتمع مع الفساد إجابة على ذلك، فهو يختزله في سرقة المال العام التي تدان بخجل كظاهرة اجتماعية، لكن لصوص المال العام والخاص يحتلون أعلى الرتب الاجتماعية. وليس صحيحا أن الفساد يتم في اتجاه واحد، وإنما يشترك فيه الخصوصي والعمومي. فحين تصلك فاتورة مقدرة، مع إتاحة العداد فأنت تتعرض للسرقة. وحين يقرضك المصرف بربا فاحش فأنت تتعرض للسرقة. وحين تكون خدمة الاتصال رديئة، والتصفح بطيئا فالزبون يتعرض للسرقة. حين يوصي الطبيب، في عيادة خاصة بفحوص تجرى في مختبرها، وهو يعلم أن لا ضرورة لها، فالمريض يتعرض للسرقة. وحين تفوتر العيادة الخاصة يوم خروج النزيل فإنها تساهم في مرض الفساد، وإن رفعت يافطة "الشفاء". وحين تتردد أياما على الإدارات من أجل خدمة يمكن قضاؤها في دقائق، فعمرك يسرق، ومالك يسرق. وتسرقك شركة التأمين، والمدرسة التي تلقنك أحكام الطلاق في الإعدادية؛ سنيه وبدعيه، بدل مكارم الأخلاق، وبر الوالدين...
في ظل هذا الجو المكتظ باللصوص، ما مصير البرنامج الطموح الذي أعلن عنه الوزير الأول تحت قبة البرلمان؟ كيف سيحميه من لصوص الصفقات، ولصوص التنفيذ، ولصوص الآجال، ولصوص الموردين، ولصوص المواد، ولصوص التأثيث، ولصوص الاستلام... المتربصين، والمتنفذين غالبا؟ وهل تكفي لجان الرقابة لتحصين كل هذه الإنجازات الموعودة! لعل ذلك مستحيل إلا إذا كان كل واحد منا "عين" ساهرة على المصالح الوطنية، وتمت إدانة الفساد اجتماعيا، وأدرك المواطن أن الدولة ليست محفلا ماسونيا يحيك ضده المؤامرات، فترك سرقة الماء والكهرباء، والتحايل على الضرائب، وتخريب الممتلكات العامة.
لقد قدم الوزير الأول برنامجا طموحا، مع تواريخ تنفيذ محددة، يمكن التحقق منها، وهو ما ميزه وأعطى المواطنين أملا في تحقيق إنجازات ملموسة بدل الوعود والشعارات. وإذا كانت المجالات اللصيقة بتحسين معيشة الناس اليومية قد طغت على برنامج الحكومة، فإن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنها أهمية المشاريع الاستراتيجية، ولعل أهمها ربط سكة حديد خاي بميناء الصداقة ليطل من خلالها أشقاؤنا في اتحاد الساحل على المحيط، ونصدر عبرها فوسفات بوفال. إذا لم نستعجل بتنفيذ هذا المشروع الحيوي فإن غيرنا سيحيي موانئه الميتة بقتل موانئنا الحية فيجعل منا معبرا، أو معابر، لنعود همزة وصل ترسم على الخرائط، ولا تقرأ في الجغرافيا السياسية. لقد آن لنا أن نعالج مشاكل التسيير بدل التغطية عليها بالتنظير، وليكن نداؤنا: << وهاونّ نبنُ>> بدل << وهاونّ نصيركُ >>.