عزمي بشارة _ ليست المسألة نموذج المرأة ولا نموذج الرجل ،بل نموذج نظام الحكم

اثنين, 12/30/2024 - 13:11

أنظمة الحكم التي أرادت فرض نموذج جاهز للمرأة أو الرجل على المجتمع، أو بناء "إنسان جديد"، هي انظمة شمولية مثل كمبوديا الخمير الحمر، وكوريا الشمالية، وألمانيا النازية، والنظام الستاليني في الاتحاد السوفييتي.
في الحياة نماذج لا تحصى للمرأة والرجل. ليس من حق أحد فرض نموذج محدد للإنسان (المرأة أو الرجل)، وفوق هذا، لا يمكنه فعل ذلك إلا بإنشاء نموذج معين لنظام الحكم، وهو النظام السلطوي الاستبدادي الذي يفرض أيديولوجية بعينها على كافة مناحي الحياة، وغالبا ما يطلق عليه النظام الشمولي.
بأي حق يفكر أي شخص ان يفرض على أشخاص آخرين (سواء أكانوا أوسع ثقافة وأرفع أخلاقا منه أم لا) نموذجه لما ينبغي ان يكون عليه الفرد، امرأة كان ام رجلا؟
يفضل التعبير بوضوح عن الموقف من قضايا مبدئية جوهرية كهذه. وحتى لو كان الدستور يحددها (والحقيقة ان ما يحددها هو القيم والمبادئ التي توجه الدستور نفسه أيضا)، يفترض أن يعلن السياسيون عن موقفهم منها لأنهم سوف يشاركون في صنع الدستور، أو قد يستفردون بصنعه، فالدستور لا يكتب نفسه.
وفوق ذلك ثمة حقوق طبيعية مثل الحق في الحياة والمساواة والحرية وحق الإنسان بالخصوصية لا تحددها حتى الأغلبية المتغيرة من حين لآخر، بل عليها أن تحترمها، ولذلك توجد دساتير فوق الأغلبيات الطارئة. ومن أجل ذلك ناضل السوريون، ولا يستحقون أقل من ذلك.
تواجه سوريا حاليا مخاطر متعددة: وضعًا اقتصاديًا مترديًا وفقر حقيقي، فصائل مسلحة متعددة، مؤسسات دولة مترهلة أو غائبة تماما، أراض خارج سيطرة الدولة واحتلال إسرائيلي لأراضيها، ووجود قوات أجنبية أخرى، نزعات انتقامية تغذيها فئات مغرضة و/أو غير مسؤولة تحول موضوع الاقتصاص إلى أولوية قبل بناء المؤسسات الشرطية والقانونية (وهي وصفة للفلتان والفوضى ومعاكسة لعقلية بناء الدولة)، نزعات طائفية معلنة ومضمرة، يمكن أن تجيّش في أي وقت، سلاح سائب وجنائيين وفلول... هذا ما يواجه سوريا حاليا. ولا شك بأهمية النشاط الذي تقوم به الإدارة الجديدة على المستوى الدولي والإقليمي لرفع العقوبات في مواجهة التحديات أعلاه، لكن تحتاج كل واحدة من القضايا المذكورة إلى وحدة وطنية في التصدي لها وإشراك الجميع في هذا التصدي. وثمة فرصة ذهبية تتجلى في رغبة الأغلبية الساحقة من الشعب وقواه الحية، السياسية والاجتماعية، في إنجاح التجربة.
لا يقود إلى هذه الوحدة الوطنية الانشغال بهيمنة فصيل بعينه ذي أيديولوجية محددة على مفاصل الدولة، وإخفاء الموقف من قضايا جوهرية مثل طبيعة نظام الحكم ومن الممارسة العملية للكلام عن المساواة الكاملة بغض النظر عن الجنس والدين والمذهب والإثنية وترجمته إلى الفعل، ما يناقض نبرة الوصاية على المرأة (أكثر من نصف الشعب السوري) والآخر المختلف مذهبيا أو فكريا أو سياسيا والتعامل معه كآخر أصلا (نحن وهم، نحن وأنتم) بخطاب الطمأنة بدلا من المشاركة الكاملة في إعادة بناء مؤسسات الدولة.