
يبدو أن حرب إيران لم تعد تشتعل فقط في القواعد والمضائق والبحار ومراكز القيادة الأمريكية في المنطقة، بل بدأت تضرب البيت الأبيض نفسه من الداخل، وتفتح شقوقًا خطيرة داخل إدارة ترامب، بعدما كشفت تقارير أمريكية عن خلاف غير مسبوق بين نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الدفاع بيت هيغست بسبب طريقة إدارة الحرب، وحجم الاستنزاف الحقيقي الذي تتعرض له الترسانة الأمريكية، خصوصًا مخزونات الصواريخ التي كانت واشنطن تعتمد عليها لحماية مصالحها وحلفائها في أكثر من جبهة حول العالم.
القصة لم تعد مجرد بيانات نارية من ترامب، ولا تصريحات متفائلة من البنتاغون، ولا مشاهد صواريخ تنطلق في الليل لتقول للعالم إن أمريكا ما زالت تملك اليد العليا. ما يجري في الغرف المغلقة أخطر بكثير؛ نائب الرئيس نفسه بدأ يشكك في الرواية الرسمية، ويسأل: هل يقول لنا البنتاغون الحقيقة؟ هل الأمور فعلًا تحت السيطرة؟ أم أن واشنطن تستهلك ذخائرها الاستراتيجية في حرب مفتوحة مع إيران بينما الخطر الأكبر ينتظرها في الصين وروسيا وكوريا الشمالية؟
فانس يواجه هيغست: كفاية تجميل للصورة
بحسب ما نقلته تقارير عن كواليس الاجتماعات المغلقة داخل الإدارة الأمريكية، فإن جي دي فانس لم يعد مقتنعًا بالطريقة التي يعرض بها وزير الدفاع هيغست وقيادات البنتاغون صورة الحرب أمام ترامب. فبينما تحاول وزارة الدفاع إظهار المشهد وكأن العمليات تسير بدقة، والضربات تحقق أهدافها، والجيش الأمريكي قادر على الاستمرار بلا أزمة، كان فانس يرى صورة مختلفة تمامًا؛ صورة حرب تستنزف الصواريخ، وتستهلك المخزون، وتضع الولايات المتحدة أمام معادلة خطيرة: ماذا لو طال أمد المواجهة؟
هنا جاءت لحظة التوبيخ السياسي والعسكري الأهم. نائب الرئيس لم يكن يعترض على تفصيلة جانبية، بل على جوهر الرواية. هو يرى أن البنتاغون قد يكون يقلل من حجم الأزمة، وأن الكلام عن السيطرة الكاملة لا يعكس الحقيقة كاملة. فالحرب مع إيران، كما يراها فانس، ليست نزهة عسكرية، وليست عملية خاطفة، بل مستنقع استنزاف قد يأكل من القوة الأمريكية في صمت.
الصواريخ الأمريكية تُحرق في إيران
الأزمة الأخطر، كما تقول التسريبات، تتعلق بمخزونات الصواريخ الأمريكية. فالحرب مع إيران لا تستهلك فقط وقود الطائرات ولا ساعات الطيران ولا ميزانيات العمليات، بل تستهلك شيئًا أهم بكثير: الصواريخ الدقيقة والاعتراضية والذخائر الاستراتيجية التي تحتاج واشنطن إليها في جبهات أخرى.
الصواريخ التي تُطلق الآن في مواجهة إيران، أو تُستخدم لاعتراض مسيرات وصواريخ إيرانية، ليست مجرد أرقام في مخازن الجيش الأمريكي. هذه الذخائر كانت جزءًا من حسابات الردع الكبرى: لحماية تايوان إذا تحركت الصين، ولدعم أوروبا إذا توسعت مواجهة مع روسيا، ولحماية كوريا الجنوبية إذا انفجرت الجبهة مع بيونغ يانغ. وهنا تكمن الصدمة: أمريكا قد تكون تحرق في الشرق الأوسط ما كانت تحتاجه في المحيط الهادئ وأوروبا وشرق آسيا.
بمعنى أوضح، فانس يرى أن واشنطن تخوض حربًا مع إيران بثمن يتجاوز المنطقة كلها. كل صاروخ يُستهلك الآن قد يضعف قدرة أمريكا على الرد غدًا في مواجهة خصم أكبر وأخطر. وكل يوم جديد من الحرب يعني أن مخازن السلاح تنقص، وأن خطوط الإنتاج لا تستطيع التعويض بنفس سرعة الاستنزاف.
السؤال المرعب: من سيحمي الحلفاء غدًا؟
التقرير يتحدث عن معادلة شديدة الحساسية داخل عقل نائب الرئيس الأمريكي: إذا استمرت الحرب مع إيران بهذا الشكل، فمن سيحمي حلفاء أمريكا في اليوم التالي؟ هل تستطيع واشنطن أن تطمئن تايوان وهي تستهلك صواريخها في الخليج؟ هل تستطيع أن تردع روسيا في أوروبا بينما ترسانتها تُستنزف في مواجهة طويلة؟ هل تستطيع أن تمنح كوريا الجنوبية ضمانات كاملة بينما جزء كبير من مخزونها الاستراتيجي يدخل طاحونة الحرب؟
هنا يصبح الخلاف داخل إدارة ترامب أعمق من مجرد خلاف بين فانس وهيغست. نحن أمام سؤال عن مكانة أمريكا نفسها. هل لا تزال قادرة على إدارة عدة جبهات في وقت واحد؟ أم أن حرب إيران كشفت أن القوة الأمريكية، مهما بدت ضخمة، لها حدود ومخازن وسلاسل إمداد ونقاط ضعف؟
إيران لا تزال واقفة رغم الضربات
الصدمة الأكبر، بحسب ما ورد في التقارير، أن الاستخبارات الأمريكية ترى أن إيران، رغم الضربات العنيفة، لا تزال تحتفظ بجزء كبير من قدراتها العسكرية. الحديث يدور عن بقاء نسبة كبيرة من القوات الجوية الإيرانية، واستمرار معظم القدرات الصاروخية، وبقاء أدوات بحرية خطيرة مثل زوارق الألغام والوسائل التي يمكن أن تهدد مضيق هرمز.
وهذا يعني أن واشنطن تنفق وتضرب وتستنزف، لكن طهران لم تُكسر كما كان يتوقع البعض. إيران ما زالت تملك القدرة على الإزعاج، والرد، والضغط، وتهديد الممرات، وفتح جبهات استنزاف. وهذا بالضبط ما يجعل فانس غاضبًا من خطاب البنتاغون؛ لأن الكلام الرسمي يقول إن الضربات مؤثرة، بينما الواقع العسكري قد يقول إن إيران لا تزال بعيدة عن الانهيار.
من تداعيات الحرب إقالة عدة جنرالات و أعضاء في حكومة الرئيس دونالد ترمب ..
.gif)

